أبو نصر الفارابي
42
كتاب السياسة المدنية
عنه تعقله بل هو نفسه يعقل ذاته فيصير بما يعقل من ذاته عاقلا وبأن ذاته تعقله معقولا . وكذلك ليس يحتاج في أن يكون عقلا وعاقلا إلى ذات أخرى وشيء آخر يستفيده من خارج بل يكون عقلا وعاقلا بأن يعقل ذاته . فإن الذات التي تعقل هي التي تعقل « 1 » . وكذلك الحال في أنه عالم : فإنه ليس يحتاج في أن يعلم إلى ذات أخرى يستفيد بعلمها الفضيلة خارجا عن ذاته ولا في أن يكون معلوما إلى ذات أخرى تعلمه ، بل هو مكتف بجوهره في أن يعلم ويعلم . وليس علمه بذاته غير جوهره فإنه يعلم وإنه معلوم وإنه علم ذات واحدة وجوهر واحد « 2 » . وكذلك في أنه حكيم : فإن الحكمة هو أن يعقل أفضل الأشياء بأفضل علم ، وبما يعقل من ذاته ويعلمها يعلم أفضل الأشياء وبأفضل علم . والعلم الأفضل هو العلم التام الذي لا يزول لما هو دائم لا يزول . فلذلك هو حكيم لا بحكمة استفادها بعلم شيء آخر خارج عن ذاته ، بل في ذاته كفاية في أن يصير حكيما بأن يعلمها . والجمال والبهاء « 3 » والزينة في كل موجود هو أن يوجد وجوده الأفضل ويبلغ استكماله الأخير . وإذ كان الأول وجوده أفضل الوجود ، فجماله إذن
--> ( 1 ) الله عقل ، وهذا العقل يعقل ذاته فقط فيغدو عقلا وعاقلا ومعقولا . ( 2 ) الله لا يعلم سوى ذاته . قارن كلامه هنا بما ورد في الصفحة الثالثة تقريبا تحت عنوان النفس . ( 3 ) الله جميل لأنه كامل وهو أجمل الموجودات .